هذه قلعة تضمن الفوائد الفقهية والعلوم الشرعية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مواقف من إنصاف وصفح الصحابة رضي الله عنهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 4443
تاريخ التسجيل : 18/12/2011

مُساهمةموضوع: مواقف من إنصاف وصفح الصحابة رضي الله عنهم   الجمعة يونيو 17, 2016 2:01 am

مواقف من إنصاف وصفح
الصحابة رضي الله عنهم
[1]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ [البقرة: 237]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، فانظر ما في هذه الآيات من الحضِّ على مكارم الأخلاق، من الأمر بالعفو، والنهي عن نسيان الفضل، والأمر بأن تُعامل مَن عصى الله فيك بأن تطيعه فيه[1].

فإليكم مواقف من إنصاف وصفح الصحابة رضي الله عنهم، التي تدل على مكارم أخلاقهم، وعظم تربيتهم، ومن المواقف التي تجمعت عندي:
1- موقف أبي بكر الصديق من مِسطح بن أثاثة رضي الله عنه.

2- إنصاف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

3- شهادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالفقه والعلم، رغم ما حدث بينهما.

4- إنصاف عمار بن ياسر رضي الله عنهما لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، رغم ما وقع بينهما من الحرب.

5- إنصاف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لحسان بن ثابت رضي الله عنه شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه ممن تكلم فيها بالإفك.

6- إنصاف أم المؤمنين زينب لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما.

وقد جعلتها على حلقات؛ حتى نتجنب الإطالة ليسهل الانتفاع بها.

وسوف أشرع بعون الله وتوفيقه في تناول هذه المواقف:
1- موقف أبي بكر الصديق من مِسطح بن أُثاثة رضي الله عنه[2]:
ففي قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ ﴾ [النور: 11]، إلى قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ [النور: 26]، وهو ما رموا به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه، وقد أنزل الله عز وجل براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أهل الإفك، في الآيات المذكورة.

وكان مِسطح بن أُثاثة ممن تكلَّم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك المذكور[3]، وكان من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنةَ خالة أبي بكر رضي الله عنه[4]، وكان أبو بكر ينفق عليه؛ لفقره، وقرابته، وهجرته، فلما نزلت براءة عائشة رضي الله عنها في الآيات المذكورة، حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإفك ظلمًا وافتراءً، فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].

قالت عائشة رضي الله عنها: "فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]؛ قال أبو بكر: بلى، والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا"[5].

وقوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ ﴾؛ أي: لا يحلف، فقوله: ﴿ يَأْتَلِ ﴾ وزنه يفتعل من الألية، وهي: اليمين، تقول العرب: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي: إذا حلف[6].

قوله: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾؛ قال الإمام مسلم: حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبدالله بن المبارك قال: "هذه أرجى آية في كتاب الله"[7]؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وإلى ذلك أشار القائل:
فإن قدر الذنب من مسطح
يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى
وعوتب الصدِّيق في حقه"

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ فيه الأمر من الله للمؤمنين، إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا، وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته.

والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحِلمهم وتجاوزهم، والصفح: قال بعض أهل العلم مشتقٌّ من صفحة العنق؛ أي: أعرضوا عن مكافأة إساءتهم، حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها، وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينًا في مواضع أُخَر كقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]، وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط، والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثًّا على ذلك، ودلت أيضًا: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به، وكقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149]، وقد بيَّن تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثًّا عليه، وكقوله تعالى: ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [الحجر: 85]، وكقوله: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43]، إلى غير ذلك من الآيات.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل؛ ولذا لما نزلت قال أبو بكر: "بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا"، ورجع للإنفاق على مسطح"[9].

انظر إلى هذا الامتثال العظيم من أبي بكر رضي الله عنه، وإلا فرجلٌ يقول في ابنته ما يقول، بل في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يقول، ومع ذلك امتثل الصديق هذا الامتثال العظيم[10]، فنحن في مسيس الحاجة إلى العفو والصفح عن المسيء، فما أحوجنا جميعًا لمثل موقف الصديق رضي الله عنه، ونحن كذلك نحب ما أحب أبو بكر رضي الله عنه.

ثم إن الخوض في الإفك، والوقوع فيه، وما شابهه: سببه تكلم الإنسان بما لا يعلم، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله، ما حاصله: "وهذا ينطبق تمامًا على زماننا الآن، ما أكثر الذين يتكلمون في ولاة الأمور بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في العلماء بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في طلبة العلم بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في المحسنين من ذوي الأموال بغير علم! فليس عند أكثر الناس ورع، يتكلم الإنسان بما جاء على لسانه من غير أن يتحقق، وهذا من الظلم والعدوان"[11].

2- إنصاف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر، فذكروا عليًّا فشتموه، فقال سعد: مهلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فإنَّا أصبنا دنيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 68]، فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا، فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضُك ويسمِّيك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك! ثم قال: أليس قد يَجِدُ المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه، ثم لا يبلغ ذلك أمانته؟ وذكر كلمة أخرى"[12].

قوله: "يُسمِّيك الأخنس": قال ابن فارس رحمه الله: "الخاء والنون والسين (خنس) أصل واحد يدل على استخفاء وتستر، قالوا: الخنس: الذهاب في خفية، يقال: خنست عنه"[13]، وخنس الرجل: إذا توارى وغاب[14]، والخنوس: الانقباض والاستخفاء، يقال: خنس من بين القوم، وانخنس[15]، ويقال: خنس الرجل عن القوم إذا مضى في خفية فهو خانس[16]، ولعل هذا هو المقصود من تسمية عليٍّ لسعد رضي الله عنهما بالأخنس، وذلك لما قعد سعد رضي الله عنه عن قتال البغاة مع علي رضي الله عنه، ولزومه بيته في الفتنة، أو بعبارة أخرى: أن عليًّا أطلق كلمات تُوهم الغض من سعد؛ لكي يكف الناس عن اتباعه في القعود، فكان صنيع علي رضي الله عنه من قبيل ذلك[17].

ومع هذا لم يغضب سعد رضي الله عنه لما قيل له: "فوالله، إنه كان يبغضك، ويسميك: الأخنس"؛ إنما التمس له العذر بأحسن عبارة حيث قال: "أليس قد يَجِدُ المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه، ثم لا يبلغ ذلك أمانته؟".

ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل لما تمادى الناس في شتم وسب عليٍّ رضي الله عنه، دعا على مَن سبَّ عليًّا رضي الله عنه، فهلك ذلك الرجل، وكان النبي صلى الله عليه والسلم دعا لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يَستجيب الله دعوته، فعن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم، استجب لسعد إذا دعاك))[18].

قال ابن رجب: "وكان سعد بن أبي وقاص مجابَ الدعوة، ودعا على رجلٍ سمعه يشتم عليًّا، فما برح من مكانه حتى جاء بعيرٌ نادٌّ، فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله"[19].

وواقعة دعائه على مَن سب الصحابة رضي الله عنهم، عن مصعب بن سعد عن أبيه -سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -: "أنه سمع رجلاً يتناول عليًّا فدعا عليه؛ فتخبطته بُخْتيَّةٌ فقتلته"[20].

البُخْت: الإبل الخراسانية[21].
وفي رواية: "أن رجلاً نال من عليٍّ، فنهاه سعد، فلم ينتهِ، فقال سعد: أدعو عليك! فلم ينته، فدعا عليه سعد، فما برح حتى جاء بعير ناد أو ناقة نادة، فخبطته حتى مات"[22].

ندَّ البعير: فهو ناد، هام على وجهه وشرد[23].

وعن عامر بن سعد قال: "بينما سعد يمشي إذ مر برجل وهو يشتم عليًّا وطلحة والزبير، فقال له سعد: إنك تشتم قومًا قد سبق لهم من الله ما سبق، فوالله لتكفَّنَّ عن شتمهم أو لأدعونَّ الله عز وجل عليك! فقال: تخوفني كأنك نبي! فقال سعد: اللهم إن هذا يشتم أقوامًا، سبق لهم منك ما سبق؛ فاجعله اليوم نكالاً! فجاءت بُختية فأفرج الناس لها فتخبطته، فرأيت الناسَ يتبعون سعدًا، ويقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق"[24].

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "قلت: في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم"[25].

هكذا كانوا رضي الله عنهم، فهذا عليٌّ رضي الله عنه، رغم قعود سعد رضي الله عنه عن قتال البغاة معه وحزنه من صنيعه، لم يمنعه من ذكر فضيلته، أليس عليًّا رضي الله عنه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمعَ أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: ((يا سعد، ارمِ فداك أبي وأمي))[26].

هكذا يكون الإنصاف، والله المستعان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ddd333ooo.rigala.net
 
مواقف من إنصاف وصفح الصحابة رضي الله عنهم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قلعةالرقية الشرعية والعلوم الاسلامية00201023063442 :: منتدى قصص وحياة الصحابة-
انتقل الى: