هذه قلعة تضمن الفوائد الفقهية والعلوم الشرعية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  بين مصعب بن عمير، وأمه.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4443
تاريخ التسجيل : 18/12/2011

مُساهمةموضوع: بين مصعب بن عمير، وأمه.   الأحد يوليو 10, 2016 1:24 pm

بين مصعب بن عمير، وأمه.
الحلقة الأولى: بين مصعب بن عمير، وأمه.
ذ/ نافع الخياطي.

كانت أم مصعب: "خُناس بنت مالك" تتمتع بقوة فذَّة في شخصيتها، وكانت تُهاب إلى حد الرهبة، ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه. فلو أن مكة، بل أصنامها، وأشرافها، وصحراءها، استحالت هوْلاً يقارعه، ويصارعه، لا يستخف به مصعب إلى حين. أما خصومة أمه، فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!. ولقد فكر سريعا، وقرَّر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً.

وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو قرير العين بإيمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر إسلامه. ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش، وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة، اللاهبة، الواشية.

ولقد أبصر به: "عثمان بن طلحة"، وهو يدخل خُفية إلى دار الأرقم، ثم رآه مرَّة أخرى، وهو يصلي كصلاة محمد، صلى الله عليه وسلم، فسابق ريح الصحراء، وزوابعها، شاخصا إلى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها.

ووقف مصعبٌ أمام أمِّه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعون حوله يتلو عليهم في يقين الحق، وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول، صلى الله عليه وسلم، قلوبهم، ويملؤها به حكمة، وشرفا، وعدلا، وتقى. وهمَّت أمه أن تُسْكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسهم، ما لبثت أن استرخت، وتنحَّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه، وبهاءه جلالا يفرض الاحترام، وهدوءاً يفرض الاقناع.

ولكن إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب، والأذى، فإن في مقدرتها أن تثْأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر. وهكذا مضت به إلى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه إغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المومنين مهاجرين إلى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه، وحراسه، ومضى إلى الحبشة مهاجراً أوَّابا.

ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين، ثم يعود معهم إلى مكة، ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالهجرة فيطيعون.

ولكن سواء كان مصعبٌ بالحبشة، أم في مكة، فإن تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل مكان وزمان، ولقد فرغ من إعداد صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد، صلى الله عليه وسلم، نموذجه المختار، واطمأن مصعب إلى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قرباناً لبارئها الأعلى، وخالقها العظيم.

خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما أن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم، وغضُّوا أبصارهم، وذرفت بعض عيونهم دمْعاً شجيا. ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقاً، وعطراً.

وتملى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة مُحبّة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال: "لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".

لقد منعته أمه حين يئست من ردَّته كل ما كانت تُفيض عليه من نعمه، وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة، وحاقت به لعنتها، حتى ولو يكون هذا الإنسان ابنها..!!

ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرَّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة، فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه، وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيا. وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم، وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن. فحين قالت له، وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أما. اقترب منها، وقال: "يا أمه إني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله". أجابته غاضبة مهتاجة: "قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك فيُزرى برأيي، ويُضعَّفُ عقلي".

وخرج مصعب من النعمة الوافرة التي كان يعيش فيها، مؤثرا الشظف، والفاقة. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر، لا يُرى إلا مُرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما، ويجوع أياما، ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه إنساناً آخر يملأ الأعين جلالاً، والأنفس روعة...

العبر المستخلصة من هذه القصة:

قوة شخصية أم مصعب، وعنادها، وامتناعها عن قبول
دعوة الإسلام.
كان عناد أم مصعب وحقدها على الإسلام والمسلمين أكبر خطر يظهر أمام مصعب، رضي الله عنه، ويهدّده، ولا يشعر معه بأي هدوء، أو راحة، أو طمأنينة. وكان يشعر بهذا الخطر فوق طاقته.
رغم هذا الخطر المحدق بمصعب، رضي الله عنه، قرَّر أن يعتنق الإسلام بكل إخلاص، ونية صادقة، وأن يكتم ذلك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.
مصعب يعتنق الإسلام، ويرافق النبي، صلى الله عليه وسلم، في دار الأرقم، ولا يعبأ بأي أحد معترض، أو مخالف، ما دام يعتبر نفسه أنه على الحق.
عثمان بن طلحة يكتشف خبر إسلام مصعب، وصلاته، فينقل ذلك إلى أم مصعب التي صُدمت بذلك الخبر الفاجع لها.
انتشار تجسُّس كفار قريش على أخبار النبي، صلى الله عليه وسلم، وصحابته.
مصعب يُعلن القرآن على رؤوس الملأ من كفار قريش، ويتحدى الجميع، بإيمان راسخ، وعزيمة صادقة.
محاولة الأم الانتقام من ابنها، بالضرب على اعتناقه الإسلام، ولكنها حُبست عن ذلك، واكتفت بسجنه داخل البيت.
فرار مصعب، رضي الله عنه، من قبضة أمِّه إلى الحبشة مع المهاجرين الأولين. ثم رجوعه بعد ذلك إلى مكة، ثم رجوعه مرّة ثانية مع المهاجرين إلى الحبشة، بأمر النبي، صلى الله عليه وسلم.
مصعب يعتبر حياته فداء، للنبي، صلى الله عليه وسلم، وللإسلام، والمسلمين.
زهد مصعب، رضي الله عنه، في متاع الحياة الدنيا، وزخرفها، وإيمانه بما أعدَّ الله عز وجل من الخير العميم للمتقين من أمثاله، رغم أنه كان قبل ذلك مزهوّاً بشبابه، أنيقا في لباسه، وحياته كلها.
قساوة أُمِّ مصعب على ابنها لمَّا امتنع عن الرجوع إلى عبادة الأصنام، والمقاطعة النهائية بين الأم وولدها إلى الأبد، مع بذل مصعب كل محاولة لإقناع أمه باعتناق الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ddd333ooo.rigala.net
 
بين مصعب بن عمير، وأمه.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قلعةالرقية الشرعية والعلوم الاسلامية00201023063442 :: منتدى قصص وحياة الصحابة-
انتقل الى: